السيد حيدر الآملي
178
تفسير المحيط الأعظم والبحر الخظم في تأويل كتاب الله العزيز المحكم
عن الحركة والاضطراب حتّى يكون قارّا ساكنا ، وكان من لوازم ذلك السكون في بعض الأشياء صحّة الاستقرار على ذلك الشيء والتصرّف عليه وكان من فائدة وجود الجبال والتّضريسات الموجودة في وجه الأرض أن لا تكون مغمورة بالماء ليحصل للحيوان الاستقرار والتصرّف عليها ، لا جرم كان بين الأوتاد والجبال الخارجة من الماء في الأرض اشتراك في كونهما مستلزمين لصحّة الاستقرار مانعين من عدمه ، لا جرم حسنت استعارة نسبة الإيتاد إلى الصخور والجبال . وأمّا إشعاره بالميدان ، فلأن الحيوان كما يكون صادقا عليه أنّه غير مستقرّ على الأرض بسبب انغمارها في الماء لو لم توجد الجبال ، كذلك يصدق على الأرض انّها غير مستقرّة تحته ، ومضطربة بالنّسبة إليه ، فثبت حينئذ أنّه لولا وجود الجبال في سطح الأرض لكانت مضطربة ومائدة بالنّسبة إلى الحيوان لعدم تمكّنه من الاستقرار عليها . الوجه الرّابع ، قال بعض العلماء : إنّه يحتمل أن تكون الإشارة بالصخور إلى الأنبياء والأولياء والعلماء ، وبالأرض إلى الدّنيا . وأمّا وجه التّجوّز بالصخور عن الأنبياء والأولياء والعلماء ، فلأنّ الصخور والجبال لمّا كانت على غاية من الثبات والاستقرار ، مانعة لما يكون تحتها من الحركة والاضطراب ، عاصمة لما يلتجئ إليها من الحيوان عمّا يوجب له الهرب ، فيسكن بذلك اضطرابه وقلقلته ، أشبهت الأوتاد من بعض هذه الجهات . ثمّ لمّا كانت الأنبياء والعلماء هم السبب في انتظام أمور الدنيا وعدم اضطراب أحوال أهلها كانوا كالأوتاد للأرض ، فلا جرم صحّت استعارة لفظ الصخور لهم ، ولذلك يحسن في العرف أن يقال : فلان جبل منيع يأوى إليه كلّ ملهوف ، إذا كان يرجع إليه في المهمّات والحوائج ، والعلماء أوتاد اللَّه في الأرض . الوجه الخامس ، أن المقصود من جعل الجبال كالأوتاد في الأرض أن يهتدي بها على طرقها والمقاصد فيها ، فلا تميد جهاتها المشتبهة بأهلها ولا تميل بهم فيتيهون فيها عن طرقهم ومقاصدهم ، وباللَّه التّوفيق . وباقي أقواله عليه السّلام إلى قوله :